رتب لخدمات احصائيات و ترتيب المواقع | مجمع الفقه الإسلامي - احصائيات و ترتيب الأمين العام - الكلمات - عكاظ - «الحوار» وسيلة وحيدة لتحقيق التعايش والتعارف بين الشعوب والأمم

قال إننا أمام مؤتمر بوزن المملكة وثقل خادم الحرمين الشريفين.. أمين مجمع الفقه:

«الحوار» وسيلة وحيدة لتحقيق التعايش والتعارف بين الشعوب والأمم

 

أكد الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي د. عبدالسلام العبادي أن المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار يؤكد أن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز تنظر الى ان الحوار يؤسس علاقات مع الآخر تقوم على الثقة والتفاهم والاحترام المتبادل وقال معاليه في حواره مع "عكاظ" قبيل انعقاد المؤتمر: "نحن أمام حوار عالمي تنطلق الدعوة إليه من المملكة العربية السعودية بثقلها في العالم الإسلامي ووزنها، وبثقل خادم الحرمين الشريفين ووزنه بين الملوك والرؤساء المسلمين، وهذا يضفي على الموضوع أهمية خاصة ويعطيه دلالات بعيدة تؤكد حرص ديننا الحنيف على الالتقاء مع الآخر والحوار معه في أسلم الطرق وأحسن الآليات والصيغ لتحقيق تقدم البشرية وتحقيق خيرها وسعادتها" موضحاً أن هذه الخطوة المتميزة التي تقوم بها رابطة العالم الإسلامي في دعوة أكثر من 500 عالم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي والأقليات الإسلامية للالتقاء لوضع آليات وصنع الاتفاق على محركات ودوافع وضوابط هذه العملية الحضارية يجب أن تفعل على كل المستويات والميادين.

 

البرنامج العشري

معالي الدكتور.. دعا خادم الحرمين الشريفين قبيل مؤتمر القمة الاستثنائي الثالث بمكة المكرمة لاجتماع مائة عالم ومفكر من كل التخصصات لدراسة أحوال الأمة الذين وضعوا عددا من التصورات لصالح وحدة الأمة لمواجهة تحدياتها.. فأنت كمراقب وأمين عام مجمع الفقه الإسلامي كيف تنظر لنتائج اجتماعات اللجان المنبثقة عن هذه الكوكبة من علماء الأمة ومفكريها؟

- هؤلاء العلماء والمفكرون التقوا ودرسوا كل الآفاق والتحديات التي تواجهها الأمة ووضعوا منظومة من التوصيات والأفكار الرئيسية في التعامل مع قضايا الأمة في كل التخصصات، فجاء ضمن النص على تطوير مجمع الفقه الإسلامي وإعادة هيكلته الذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر القمة الإسلامي في "تبروجاي" بماليزيا, وأيضاً في خطابه في القمة الاستثنائية الثالثة.

العلماء درسوا هذا الأمر بكل أبعاده ووضعوا توصيات محدودة في البرنامج العشري الذي طُلب من منظمه المؤتمر الإسلامي أن تسعى على تطبيقه في عشر سنوات لتحقيق نقلة كبيرة في كل هذه الآفاق في مجالات العالم الإسلامي مثل: الأوقاف الإسلامية والزكاة وتعدد المذاهب والتكامل الاقتصادي والتحديات التي تواجهها في مجالات العولمة والتكنولوجيا والعلاقة مع الشعوب الأخرى في مجالات العلوم.

كل هذه القضايا جاءت في برنامج شامل هو البرنامج العشري لمنظمة المؤتمر الإسلامي, والآن تجري في المنظمة من خلال مؤتمر وزراء الخارجية في الدول الإسلامية والأجهزة المتفرغة عن المنظمة والمتخصصة فيها عملية متابعة لآفاق هذا البرنامج الذي يجب أن نعترف انه يسجل بحق انجازاً متميزاً على مستوى التخطيط لمستقبل العالم الإسلامي, ولذلك هذه المبادرة الكريمة التي انطلقت في مكة المكرمة قدمت جملة كبيرة من المعالجات لهموم الأمة وقضاياها في رؤية مستقبلية شاملة.

 

التقريب بين المذاهب

إذن ما هو دور البرنامج العشري في تشجيع الحوار بين المذاهب الإسلامية المختلفة؟

- البرنامج العشري أكد على ضرورة تعميق الحوار بين المذاهب الإسلامية، وعلى صحة إسلام أتباعها، وعدم جواز تكفيرهم، وحرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم ماداموا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبقية أركان الإيمان ويحترمون ويوقنون بأركان الإسلام ولا ينكرون معلوماً بالدين بالضرورة.

وأكد البرنامج على ضرورة مواجهة التطرف الديني والتعصب المذهبي، وتعزيز الاعتدال والوسطية والتسامح، وضرورة التنسيق بين جهات الفتوى والتنديد بالجرأة على الفتوى من الذين لا يعلمون العلم الشرعي الصحيح ولا تتوافر فيهم شروط المعرفة الشرعية السليمة، وذلك بطرح البديل السليم القائم على الحجة والبرهان والقيام على نشره من خلال مناهج التربية والتعليم ووسائل الإعلام المختلفة، فالبديل القوي القائم على المعرفة العلمية العميقة سيطرد من الساحة كل فكر ضعيف مهزوز مرتجل.

وما هو ـ أيضاً ـ دور مجمع الفقه الإسلامي الذي تتولون أمانته في الحوار بين كافة الأطياف الإسلامية ؟

- جاء النص في حوار المذاهب بشكل واضح في النظام الأساسي للمجمع، وهذه القضية تعتبر من الواجبات لتحقيق العلاقة المتميزة بين أتباع المذاهب باعتبارها مدارس فكرية في فهم النصوص الشرعية قائمة على الدليل كل من وجهة نظره، فلذلك يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا فيما اختلفنا فيه، وان نسعى باستمرار الى تعظيم الجوامع بيننا، وألا تؤثر الفروق على العلاقات الوثيقة التي يجب أن تقوم في إطار الأمة الواحدة.

قد لا يفهم البعض معنى "التقريب".. ما هو المفهوم الحقيقي له؟

- التقريب بين المذاهب ليس المراد منه إلغاء المذاهب، أو الاتفاق على أمر واحد، المراد هو التقريب بين أتباع المذاهب حتى لا يكون بينهم نزاع وتعصب يؤدي الى الاقتتال والاختلاف كما يجري الآن من محاولات لإثارة ذلك في بعض بلاد الأمة الإسلامية.

لابد أن يُفهم أن هذه المذاهب تمثل أفهاماً مقبولة في الشريعة في إطار بنائها، وإذا كان هنالك نقاط نختلف فيها، لابد أن نجلس للحوار حولها ونتفق عليها.

إذن عملية التقريب ليست تقريبا بين المذاهب نفسها، إنما المقصود التقريب بين أتباعها ليلتقوا في ساحات التعاون والانجاز وخدمة الأمة وإعادة أمجادها، لتكون لها مكانتها ووزنها بين الأمم في إطار نظرة شمولية تحرص على الالتزام بأحكام الدين في كل آفاق الحياة.

 

صيغ الحوار

هناك عدة صيغ للحوار سواء كان حواراً داخل المجتمع الإسلامي أو مع الآخر.. كيف تنظرون لهذه الصيغ في ظل وجود التعددية في الفكر والثقافة؟

- الحوار عبر التأريخ أخد صيغا عديدة أهمها: صيغة الحوار بين المذاهب الإسلامية الذي بات أمراً ضرورياً وملحاً لتحقيق وتعميق وحدة المسلمين وتعاونهم في مواجهة ما يواجهون الآن من تحديات خاصة أن المجتمع الإنساني بات يقوم على التكتلات والتجمعات الدولية، وهناك صيغة للحوار بين أصحاب الأديان والحضارات والثقافات.

يجب أن نعترف أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لتحقيق التعايش والتعارف بين الشعوب والأمم والقبائل، وهو الذي يمثل محاولة جادة لإزالة أسباب التوتر والصراع بينها وتحقيق التفاهم على قواعد لضبط الواقع الإنساني على مستوى الأمم والشعوب والدول في إطار من مبادئ العدل والمساواة والاحترام المتبادل.

إذن الحوار قضية تفرض نفسها على الساحة العالمية، وتأخذ هذا البعد الهام في إطار هذه الدعوة الكريمة التي تتبناها المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين.

والأدلة الشرعية واضحة على تبني القرآن الكريم منهج الحوار مع الآخر في تقرير لحقائق الإيمان، وفي دعوته لحقائق العقيدة الإسلامية، فقد ناقش الملحدين وغير المؤمنين مناقشات مستفيضة بالحجة والدليل والبرهان ودحض كل مقولاتهم على أساس من تقابل المواقف في حرص على الخير والمصلحة والحق والعدل.

والنصوص القرآنية واضحة في الدعوة الى التعاون والمحبة "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فتصل العلاقة بين فئات الأمة الى درجة المحبة والتعاون والتكامل والتكافل والأخوة "إنما المؤمنون إخوة"، "تآخوا في الله أخوين".

هذا الحرص على إقامة علاقات وثيقة بين فئات المسلمين والتحديد الدقيق لمستوى هذه العلاقة على آفاق المحبة والأخوة يؤكد أن قضية الحوار تصبح بدهية.

 

الاختلاف

يرى البعض أن الاختلاف في وجهات نظر المحاورين يسبب ضعفا في الحوار.. كيف يمكن أن نجعل من الاختلاف نقطة التقاء مع الآخر؟

- القرآن الكريم يسجل بوضوح أن اختلاف الناس وتعدد جهاتهم يجب أن يكون مثارا للإثراء ودعوة لمزيد من التعاون والتكامل، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بسنة التعارف بقوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم".

والبشر باختلاف فئاتهم وقبائلهم وشعوبهم لابد أن يلتقوا في إطار التعارف، وهو عنوان للتكامل والتعاون والبحث عن أسلم الصيغ لإعمار الأرض بطريقة تحقق خير الإنسان وسعادته، والذي يلتزم بمنهج الله في إعمار هذا الكون هو الذي سيكون قريبا من الله، وهذا أمر يحدده الخالق جلا وعلا فيما قرر من أحكام وما بين من أسس وقواعد لضبط السلوك الإنساني، لذلك نبه القرآن الكريم المؤمنين الى أن واجبهم بيان الحق وليس إجبار الناس على الدخول في دينهم "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعا"، "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، لذلك نبهت الآيات القرآنية الكريمة الى أن عدم إيمان الناس ليس له تأثير على موقف المسلم وتوجهه للحوار مع الآخرين.

 

النصوص الشرعية والحوار

معنى ذلك أن الآيات القرآنية الكريمة جاءت لتأكيد وحدة الأصل الإنساني والدعوة للوحدة بين البشر؟

- نعم.. هذه الوحدة هي عنوان التعاون والقضاء على اعمار الأرض لتحقيق خير الإنسان وسعادته "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيها رجالا كثيرا ونساء".

وأريد أن أنبه انه سبيل الوصول الى الحق وتقرير مبادئ الالتقاء بين المجتمع الإنساني دعا الإسلام الى النقاش والعمل الجاد لإقامة الحجة على الآخر بمنطق يحرص على الوصول الى الحقيقة، لذلك يقول جل من قائل "وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ظلال مبين"، حتى يبين للمخالف أننا نهدف للوصول الى الحقيقة وتقرير قواعد الالتقاء فيما يحقق خير الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة. وقد عبر المفكرون المعاصرون أن إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة أنه بمثابة الإعلان التأسيسي للدولة الإسلامية الذي يعترف بتعدد فئات المجتمع الإسلامي، وان لهذه الفئات حقوقها وأنها تعامل بكل احترام، فكان لأهل الكتاب في النظر الإسلامي مركز خاص من حيث ضرورة احترامهم والتعامل معهم بمودة "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين"، بل أكثر من ذلك عندما نتوجه إلى حوارهم ومناقشتهم إلى أن يكون ذلك على أساس المجادلة بالتي هي أحسن "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتالي هي أحسن"، بمعنى يجب أن توطدوا أنفسكم على أنكم ستجادلونهم بالتي هي أحسن، فإذا لم تتمكنوا من ذلك امتنعوا عن مجادلتهم حتى يكون لديكم القدرة على أن تكون المجادلة بالتي هي أحسن، وهذا أمر في غاية الحرص على مشاعر الآخر والحرص على أن يكون الهدف هو الوصول لما يحقق الخير والتقدم والثراء للمجتمع الإنساني، ومن هنا كان يجب أن يكون الأسلوب أسلوبا فيه الحسن والتميز.

 

المجادلة والحوار

هذا يدعونا ـ معالي الدكتور ـ إلى السؤال عن الفرق بين "المجادلة" في الآيات الكريمة وبين لفظة "الحوار" المستخدمة في العصر الحالي؟

- المجادلة عبر عنها القرآن الكريم بأنها المجادلة بالتي هي أحسن، بحيث إن الأسلوب يقوم على الاختيار المتميز لطريقة الخطاب، وبالتالي يكون مقبولا عند الطرف الآخر، فإذا كان أساس المجادلة هو "بالتي هي أحسن" فهي إذن الدخول التفصيلي للقضايا.

أما الحوار فواضح من العبارة أنها الشمولية وتعدد الجوانب، لكن لفظة "المجادلة" فيها إشعار أن هناك قضايا تفصيلية يجري عليها الحوار، بمعنى أن المجادلة أخص من الحوار لأنها تدخل لفرض الاتفاق على تفاصيل القضايا وجزئياتها مما يقتضي نوعا من تبادل العبارات وتعددها بهدف الوصول إلى الحقيقة.

 

المصدر

 

التالي

العودة للقائمة

السابق